تمتلئ النصائح عن النوم بقوائم طويلة: شاي أعشاب، ووسائد خاصة، وتطبيقات أصوات، ومكملات تعد بنوم عميق من الليلة الأولى. ويجرب كثيرون هذه الوسائل واحدة بعد الأخرى، ثم يجدون أنفسهم يتقلبون في الفراش كما كانوا، أو ينامون ساعات كافية ويستيقظون كأنهم لم يناموا، فيستنتجون أن نومهم مشكلة لا حل لها.
وسبب تعثر هذه المحاولات أنها تتعامل مع النوم كأنه حدث يبدأ حين نضع رؤوسنا على الوسادة، بينما يتشكل النوم الجيد على مدار اليوم كله. فالرغبة في النوم تتراكم منذ لحظة الاستيقاظ، والساعة البيولوجية تضبط توقيتها بحسب الضوء ومواعيد الأكل والحركة، فإذا اضطرب إيقاع النهار لم تعوضه أي وسيلة في الليل. ولهذا فالمفتاح العملي لتحسين النوم يبدأ من الصباح قبل المساء.
وبهذا المنطق تمضي الأقسام التالية: ما يجعل النوم عميقًا ومريحًا، ثم أثر النهار في جودة الليل، وضبط بيئة غرفة النوم، والفكرة الشائعة التي تجعل محاولة النوم بالقوة سببًا للأرق. ونقف بعد ذلك عند الأخطاء التي تفسد النوم باسم تحسينه، والحالات التي تحتاج إلى مختص، مع إجابات عن أكثر الأسئلة تكرارًا.
ما الذي يجعل النوم عميقًا ومريحًا فعلًا؟
يحكم النوم نظامان يعملان معًا. أولهما ضغط النوم، وهو حاجة تتراكم في الدماغ كلما طالت ساعات اليقظة، إذ تتجمع مادة تسمى الأدينوسين تزيد الإحساس بالنعاس ثم يتخلص منها النوم. وثانيهما الساعة البيولوجية التي تحدد أوقات اليقظة والنعاس على مدار الأربع والعشرين ساعة، وتعتمد في ضبطها على الضوء أساسًا. وحين يتوافق النظامان، فيبلغ ضغط النوم ذروته في الوقت الذي تفتح فيه الساعة البيولوجية باب النعاس، يأتي النوم سريعًا وعميقًا.
وللنوم في الليلة الواحدة بنية متكررة، يغلب النوم العميق على ساعاتها الأولى، ويتسع نوم الأحلام في ساعاتها الأخيرة، ولكل منهما وظيفة لا يؤديها الآخر. فالنوم العميق مرتبط بإصلاح الجسم وتنظيم بعض الهرمونات، ونوم الأحلام مرتبط بمعالجة الذكريات والانفعالات. ولهذا فالليلة المقطوعة في أولها أو في آخرها لا يعوضها مجموع الساعات، لأن الجزء المفقود يحمل عملًا لا ينجز في غيره.
ومن هنا يتضح أن جودة النوم لا تقاس بعدد الساعات وحده، بل بسرعة الدخول فيه، وقلة الانقطاع أثناءه، والإحساس بالانتعاش بعده. فمن ينام سبع ساعات متصلة في موعد ثابت قد يرتاح أكثر ممن يقضي تسعًا في فراشه يتقلب ويستيقظ، وهذا ما يجعل الانتظام والاستمرار أهم من إطالة الوقت في السرير. ويتبدل ذلك بتبدل مراحل العمر، فالمراهقون يحتاجون نومًا أطول ويميلون إلى السهر، وكبار السن ينامون نومًا أخف وأكثر تقطعًا، وهي تغيرات طبيعية تحتاج إلى مراعاة لا إلى قلق.
النهار يصنع ليلتك أكثر مما تتوقع
أقوى ما يضبط الساعة البيولوجية هو الضوء، فالتعرض لضوء النهار في الصباح يثبت بداية اليوم في الدماغ، فيأتي النعاس في المساء في موعد أنسب. وفي المقابل يرسل الضوء الساطع في الليل إشارة معاكسة، فيؤخر النعاس ويدفع الساعة إلى الأمام. ولهذا فمن يقضي نهاره في مكتب خافت الإضاءة ومساءه أمام شاشات ساطعة يعكس الإشارة التي يحتاجها جسمه تمامًا. ويشتد هذا الخلل في أيام العمل الطويلة داخل المباني، حين يمر اليوم كله دون تعرض حقيقي لضوء الشمس.
ويحتل الكافيين المرتبة الثانية من حيث الأثر، لأنه يعمل بحجب الإشارة التي يرسلها الأدينوسين، فيخفي النعاس دون أن يزيل الحاجة إلى النوم. ويبقى نصف ما تتناوله منه في الدم عدة ساعات، وتختلف سرعة التخلص منه من شخص لآخر، ولذلك قد لا يمنع كوب العصر النوم عند بعضهم، لكنه يجعل نومه أخف وأكثر تقطعًا دون أن يشعر.
ويتمم النشاط البدني هذه الصورة، فالحركة المنتظمة خلال النهار ترفع ضغط النوم وتحسن عمقه عند كثيرين، بينما يضعف الخمول الطويل على الأريكة هذه الحاجة. وتتصل بذلك مواعيد الأكل، فالوجبات المنتظمة تساعد الساعة البيولوجية على الثبات، والعشاء الثقيل قبل النوم مباشرة يشغل الجسم بالهضم في وقت ينبغي أن يهدأ فيه. أما القيلولة فمفيدة لمن يحتاجها إذا كانت قصيرة ومبكرة، لأنها حين تطول أو تتأخر تستهلك جزءًا من ضغط النوم الذي يحتاجه الليل.
غرفة النوم بيئة تحتاج إلى ضبط دقيق
تنخفض حرارة الجسم الداخلية قليلًا مع بداية النوم، وهذا الانخفاض جزء من إشارة النعاس نفسها، ولذلك يساعد الجو المائل إلى البرودة على الدخول في النوم والبقاء فيه. وفي الصيف تصبح الغرفة الحارة من أشيع أسباب النوم المتقطع، أما التكييف شديد البرودة فقد يوقظ النائم بدوره، ويجفف الهواء فيزعج الأنف والحلق، فالمطلوب اعتدال مريح لا برد قارس.
والظلام عنصر لا يقل أهمية، فالضوء الذي يتسلل من النافذة أو من مصابيح الأجهزة قد يخفف عمق النوم دون أن يوقظ صاحبه تمامًا. وتفيد الستائر المعتمة أو قناع العين في ذلك، خصوصًا لمن يعمل بنظام المناوبات وينام نهارًا. ويضاف إليه الهدوء، فالضوضاء المتقطعة أشد إزعاجًا من الصوت الثابت، ولهذا يستعين بعض الناس بالمروحة أو أصوات الخلفية الثابتة لإخفاء الأصوات المفاجئة.
ويبقى الأهم أن ترتبط الغرفة في ذهنك بالنوم وحده، فالدماغ يتعلم بالتكرار، ومن يعمل في سريره ويتابع المسلسلات ويتصفح الهاتف فيه ساعات يعلم دماغه أن السرير مكان لليقظة. ولهذا ينصح المختصون بإبعاد العمل والشاشات عن الفراش ما أمكن، ليعود السرير إشارة تلقائية على النوم بدل أن يكون ساحة أخرى للنشاط. ويدخل في ذلك روتين ثابت قبل النوم، كإطفاء الأضواء القوية وتجهيز ملابس الغد والوضوء والقراءة الهادئة، فتكرار هذه الخطوات بترتيب واحد كل ليلة يصبح إشارة للدماغ بأن وقت النوم اقترب.
لماذا لا ينجح إجبار نفسك على النوم؟
النوم من الأشياء القليلة التي تبتعد كلما لاحقتها، فمحاولة النوم بالقوة ترفع اليقظة والتوتر، وهما عكس ما يحتاجه الدماغ ليستسلم للنعاس. ومن يبقى في فراشه ساعة يتقلب ويراقب الساعة ويحسب كم بقي على المنبه يصنع لنفسه قلقًا جديدًا، ويربط السرير في ذهنه بالأرق ليلة بعد ليلة.
وتصحح الأساليب السلوكية المعتمدة في علاج الأرق هذه الفكرة الشائعة، فهي تنصح بالقيام من الفراش إذا طال الأرق، وممارسة نشاط هادئ في إضاءة خافتة كالقراءة الورقية، ثم العودة حين يعود النعاس. والهدف أن يستعيد السرير ارتباطه بالنوم السريع لا بالمعركة معه، وهذا الأسلوب يتطلب صبرًا في أيامه الأولى، لكنه من أنجح الأساليب على المدى الطويل. وقد يلجأ المختص كذلك إلى تقليص الوقت في السرير مؤقتًا ليتركز النوم ويعمق ثم يوسعه تدريجيًا، وهي طريقة لا تطبق دون متابعة لأنها مرهقة في بدايتها.
ويساعد في الاتجاه نفسه إخفاء الساعة عن النظر أثناء الليل، لأن مراقبة الوقت تحول كل استيقاظ قصير إلى حساب قلق للساعات المتبقية. ومن تزدحم أفكاره عند النوم قد يستفيد من تخصيص وقت في أول المساء لتدوين مشاغله وما سيفعله غدًا، فيجد الذهن مكانًا يترك فيه هذه الأفكار بدل أن يحملها إلى الفراش. ويتناول مقال "التوتر وأثره على الجسم والبشرة" الصلة الأعمق بين الضغط النفسي والنوم.
أخطاء تفسد النوم وأنت تظن أنك تحسنه
أشيع هذه الأخطاء الذهاب إلى الفراش مبكرًا جدًا بعد ليلة سيئة لتعويض ما فات، أو البقاء فيه صباحًا ساعات إضافية. فكلا الأمرين يزيد الوقت في السرير دون أن يزيد النوم، ويضعف ضغط النوم في الليلة التالية، فيتكرر الأرق وتتسع الفجوة. والأنفع بعد ليلة سيئة أن يبقى موعد الاستيقاظ ثابتًا، فيبني النهار حاجة أقوى إلى النوم في المساء. ويشبهه تغيير موعد الاستيقاظ كل يوم بحسب ما نام المرء في الليلة السابقة، فهذا التذبذب يحرم الساعة البيولوجية من الثبات الذي تحتاجه.
ويلجأ آخرون إلى المنومات ومكملات النوم كحل أول دون استشارة، ظنًا أنها آمنة لأنها متاحة. فبعض الأدوية المتاحة دون وصفة تسبب نعاسًا يمتد إلى الصباح، وبعض المكملات تختلف جودتها ومحتواها الفعلي، والاعتماد عليها قد يخفي مشكلة تحتاج علاجًا مختلفًا. ولهذا فقرار استخدام أي مساعد على النوم ومدته يعود إلى الطبيب بحسب الحالة.
وهناك من يقع في فخ التقنية، فيتابع نومه بساعات وتطبيقات ترصد مراحله ليلة بليلة، ثم يقلق من الأرقام حتى يصبح القلق نفسه سببًا للأرق. وهذه الأجهزة تقدر المراحل تقديرًا تقريبيًا لا يرقى إلى دقة الفحوص الطبية، فالأجدى أن يكون المقياس إحساسك بالانتعاش خلال النهار، لا الرسوم البيانية على الشاشة.
متى تحتاج مشكلات النوم إلى مختص؟
يمر كل الناس بليال سيئة في فترات الضغط أو السفر أو المرض، وهذه تعود غالبًا إلى طبيعتها بزوال السبب. لكن حين تصبح صعوبة النوم أو الاستيقاظ المبكر المتكرر حال معظم الليالي لأسابيع، وتؤثر في المزاج والتركيز والأداء خلال النهار، فالأمر يستحق مراجعة الطبيب بدل الاستمرار في التجريب. ويتوفر لعلاج الأرق المزمن أسلوب سلوكي معرفي متخصص يقدمه مختصون، وتضعه الإرشادات الطبية في مقدمة الخيارات لكثير من الحالات.
ويستدعي التقييم أيضًا الشخير العالي المصحوب بتوقف التنفس أو الاختناق أثناء النوم، والنعاس الشديد في النهار رغم النوم الكافي، والإحساس المزعج في الساقين مع رغبة ملحة في تحريكهما عند الاستلقاء، والحركات أو السلوكيات غير المعتادة أثناء النوم. فهذه الأعراض قد ترتبط باضطرابات نوم يشخصها الطبيب، وبعضها يحتاج دراسة للنوم لتقييمه. ويفيد أن يرافق شريك النوم المريض إلى الموعد أو يصف ما يلاحظه، لأن كثيرًا من أعراض النوم لا يراها صاحبها.
وتبقى صعوبات النوم المرتبطة بالحزن المستمر أو القلق الشديد أو فقدان الاهتمام بالحياة أمرًا يستحق دعمًا نفسيًا متخصصًا، لأن النوم والمزاج يؤثر كل منهما في الآخر. ومن يتناول أدوية مزمنة ويلاحظ تغيرًا في نومه بعد بدئها، فليعرض ذلك على طبيبه، فقد يكون تعديل موعد الدواء أو نوعه قرارًا طبيًا بسيطًا يحل المشكلة.
أسئلة شائعة حول تحسين جودة النوم
هل الميلاتونين آمن للاستخدام اليومي؟
الميلاتونين هرمون يفرزه الجسم لإعلان الليل، ولمكملاته دور في ظروف بعينها كاضطراب الرحلات الجوية وبعض اضطرابات توقيت النوم، لكنها ليست منومًا قويًا ولا تناسب كل أنواع الأرق. وتختلف المنتجات في محتواها الفعلي، وقد يتفاعل الميلاتونين مع بعض الأدوية، ولا ينصح به دون استشارة في الحمل والرضاعة وعند الأطفال. ولذلك فتحديد الحاجة إليه ومدته قرار يعود إلى الطبيب أو الصيدلي بحسب الحالة.
كم ساعة قبل النوم يجب أن أتوقف عن الكافيين؟
يبقى الكافيين في الجسم ساعات طويلة، وتختلف سرعة التخلص منه بحسب الوراثة والعمر والحمل وبعض الأدوية. ويجد كثيرون أن تجنبه في الساعات الست التي تسبق النوم تقريبًا يحسن نومهم، بينما يحتاج الأكثر حساسية إلى إيقافه بعد الظهر. ويشمل ذلك القهوة والشاي ومشروبات الطاقة والمشروبات الغازية التي تحتوي عليه، وحتى الشوكولاتة الداكنة بكميات كبيرة.
هل الاستيقاظ في منتصف الليل يعني أن نومي سيئ؟
الاستيقاظ القصير بين دورات النوم أمر طبيعي يحدث عدة مرات في الليلة، ولا يتذكره أغلب الناس لأنه يستمر ثواني أو دقائق. ويصبح مشكلة حين يطول ويتكرر ويصعب معه العودة إلى النوم، أو حين يرافقه تعب واضح في النهار. وفي هذه الحالة يفيد تجنب النظر إلى الساعة والهاتف، وترك الفراش لنشاط هادئ حين يمتد السهر، ومراجعة الطبيب إن استمر النمط أسابيع.
هل الرياضة في المساء تفسد النوم؟
لا تؤثر الرياضة المعتدلة في المساء سلبًا على نوم معظم الناس، بل قد تحسنه عند بعضهم. أما التمارين الشديدة جدًا في الساعة التي تسبق النوم مباشرة فقد ترفع حرارة الجسم ونبضه وتؤخر النعاس عند من يتأثرون بها. والحل أن يراقب كل شخص استجابته، وأن يترك فاصلًا كافيًا بين التمرين الشاق والنوم إن لاحظ أثرًا.
كيف أنظم نومي في رمضان؟
يتغير إيقاع النوم في رمضان بسبب السحور والسهر، والأنفع أن يحافظ المرء على أكبر قدر من الانتظام رغم ذلك، بتثبيت موعد النوم الأساسي والاستيقاظ قدر الإمكان، وتقسيم النوم بين فترة ليلية أطول وقيلولة قصيرة في النهار عند الحاجة. ويساعد تجنب الكافيين الكثير بعد الإفطار، والعشاء الثقيل المتأخر، على نوم أعمق في الساعات المتاحة. وأصحاب الأمراض المزمنة يحتاجون إلى استشارة أطبائهم في تنظيم النوم والأدوية خلال الشهر.
هل الضوضاء البيضاء تساعد على النوم؟
قد تساعد الأصوات الثابتة كالضوضاء البيضاء أو صوت المروحة بعض الناس على النوم، خصوصًا في البيئات الصاخبة، لأنها تخفي الأصوات المفاجئة التي توقظ النائم. وتبقى الأدلة على فائدتها محدودة ومتفاوتة، ويختلف أثرها من شخص لآخر. ويفضل أن يكون الصوت منخفضًا وثابتًا، وألا يعتمد عليها بديلًا عن معالجة أسباب الأرق الأخرى كالقلق وعدم انتظام المواعيد.
0 تعليقات