تمتلئ رفوف الصيدليات وصفحات التواصل بعبوات ملونة تعد بشعر أكثف وبشرة أنضر وطاقة لا تنفد، حتى صار تناول الفيتامينات عادة يومية عند كثيرين دون تحليل أو استشارة. والمفارقة أن هذا الإقبال يجتمع مع نقص حقيقي ومنتشر في بعض الفيتامينات، وأبرزها فيتامين د في مجتمع يعيش تحت شمس ساطعة معظم العام، فيأخذ بعض الناس ما لا يحتاجونه، ويغفل آخرون عما ينقصهم فعلًا.
وأصل هذا الخلل فكرة شائعة ترى الفيتامين مادة طبيعية لا ضرر منها، فإن لم ينفع لم يضر. غير أن الفيتامين حين يؤخذ مكملًا مركزًا يتصرف في الجسم تصرف الدواء: له فائدة عند الحاجة، وله أثر جانبي عند الزيادة، وقد يتداخل مع أدوية أخرى أو يربك نتائج التحاليل. ولهذا فالمعيار الحاكم في الفيتامينات ليس فائدتها العامة، بل حاجة جسمك إليها في وقت بعينه.
يشرح هذا المقال فوائد الفيتامينات ووظائفها الأساسية، ويفرق بين الأنواع التي يتخلص الجسم من فائضها وتلك التي تتراكم فيه، ثم يقف عند أضرار المكملات حين تؤخذ بلا حاجة، وعند نقص فيتامين د تحديدًا لشيوعه في المنطقة. ويختم بخطوات تساعدك على اتخاذ قرار واعٍ مع طبيبك، لا قرار تمليه الإعلانات.
فوائد الفيتامينات ودورها الحقيقي في الجسم
الفيتامينات مركبات يحتاجها الجسم بكميات صغيرة جدًا، لكنه لا يستطيع صنع معظمها بنفسه، فيعتمد على الغذاء في الحصول عليها. وصغر الكمية لا يعني صغر الأثر، إذ يعمل كثير منها مساعدًا للإنزيمات التي تدير تحويل الطعام إلى طاقة وبناء الأنسجة وتجديد الخلايا، فإذا غاب أحدها تعطلت سلسلة كاملة من العمليات لا عملية واحدة.
وتختلف الأدوار باختلاف الفيتامين، وهذا الاختلاف هو ما يفسر تباين أعراض النقص. ففيتامين ج ضروري لتكوين الكولاجين الذي يمنح الجلد واللثة والأوعية تماسكها، ولذلك يظهر نقصه الشديد في صورة نزف اللثة وبطء التئام الجروح. أما فيتامين د فيتولى تنظيم امتصاص الكالسيوم، فينعكس نقصه على العظام والعضلات قبل غيرها، بينما ترتبط فيتامينات ب باستخلاص الطاقة وصحة الأعصاب، فيظهر نقصها تعبًا أو تنميلًا أو تشققًا في زوايا الفم.
على أن هذه الفوائد تتحقق حين يسد الفيتامين حاجة قائمة، لا حين يضاف فوق كفاية موجودة. فمن يحصل على حاجته من فيتامين ج عبر الفاكهة والخضار لن يكتسب بشرة أنضر أو مناعة أقوى بمضاعفة الكمية، لأن الجسم يأخذ ما يلزمه ثم يتخلص من الباقي أو يخزنه. ومن هنا تبدأ الفجوة بين ما تعد به الإعلانات وما تقوله وظائف الجسم فعلًا.
الفرق بين الفيتامينات الذائبة في الماء والدهون
تنقسم الفيتامينات إلى مجموعتين يحدد الانتماء إليهما مصير الفائض منها. فالذائبة في الماء، وهي فيتامين ج ومجموعة فيتامينات ب، لا يخزنها الجسم بكميات كبيرة في الغالب، ويطرح معظم الزائد منها مع البول، ولذلك يحتاج إلى إمداد منتظم منها عبر الطعام، ويبقى خطر تراكمها أقل نسبيًا.
أما الذائبة في الدهون، وهي فيتامينات أ ود وهـ وك، فتخزن في الكبد والأنسجة الدهنية، وهذا ما يجعلها ميزة ومحذورًا في آن. فالتخزين يحمي الجسم في فترات قلة الغذاء، لكنه يعني أيضًا أن الإفراط في مكملاتها يتراكم أسبوعًا بعد أسبوع حتى يبلغ مستوى سامًا، دون إنذار مبكر في أحيان كثيرة.
ولا يعني هذا أن الذائبة في الماء آمنة مطلقًا؛ فالإفراط الطويل في فيتامين ب6 مثلًا ارتبط بتلف في الأعصاب الطرفية يظهر على هيئة تنميل في الأطراف، والكميات العالية من فيتامين ج قد تسبب اضطرابات هضمية وتزيد خطر حصى الكلى عند بعض الأشخاص. فالتقسيم يفسر درجة الخطر وسرعته، لكنه لا يمنح أي فيتامين حصانة من الضرر.
أضرار المكملات حين تؤخذ دون حاجة فعلية
أول أضرار المكملات وأوضحها التسمم بالإفراط، وأبرز أمثلته فيتامين أ الذي قد يسبب عند تراكمه صداعًا وتساقطًا في الشعر وأذى في الكبد، ويشتد خطر الإفراط فيه أثناء الحمل لارتباطه بتشوهات الأجنة. ويليه فيتامين د الذي يرفع فائضه مستوى الكالسيوم في الدم، فتظهر أعراض كالغثيان والعطش الشديد والإرهاق، وقد يمتد الأثر إلى الكلى.
ثم يأتي ضرر أقل شهرة وأكثر خفاء، وهو التداخل مع الأدوية والتحاليل. ففيتامين ك قد يضعف مفعول بعض مميعات الدم، والبيوتين المنتشر في مكملات الشعر والأظافر قد يربك نتائج بعض التحاليل المخبرية كتحاليل الغدة الدرقية، فيحصل المريض على نتيجة مضللة تقود إلى قرار علاجي خاطئ. ولهذا يحتاج طبيبك أن يعرف كل مكمل تتناوله، حتى ما تراه بسيطًا.
ويبقى الضرر الثالث اقتصاديًا ونفسيًا معًا؛ فمن يعتمد على الحبوب يشعر أحيانًا أنه أدى ما عليه، فيتهاون في غذائه ونومه ونشاطه، وهي الأسس التي لا يعوضها أي مكمل. ويضاف إلى ذلك تراكم المصدر الواحد، إذ يتناول الشخص فيتامينًا متعددًا ومكملًا للشعر ومشروبًا مدعمًا، فيحصل على الفيتامين ذاته من ثلاثة مصادر دون أن ينتبه.
لماذا يشيع نقص فيتامين د رغم وفرة الشمس؟
يبدو نقص فيتامين د متناقضًا في بلد مشمس معظم أيام السنة، لكن التناقض يزول حين نفهم كيف يصنع هذا الفيتامين. فالجلد ينتجه حين تصله الأشعة فوق البنفسجية مباشرة، والحرارة الشديدة في أشهر طويلة تدفع الناس إلى البقاء في الأماكن المكيفة والتنقل بالسيارات، كما أن اللباس الساتر يحجب معظم الجلد، فتقل فرص التعرض الفعلي رغم وفرة الشمس.
وتضاف إلى ذلك عوامل تخص الشخص نفسه؛ فالبشرة الداكنة تحتاج تعرضًا أطول لإنتاج القدر ذاته، والسمنة تحبس جزءًا من الفيتامين في النسيج الدهني، وبعض أمراض الجهاز الهضمي تضعف امتصاصه، كما يتراجع إنتاج الجلد له مع التقدم في العمر. ولهذا قد يعيش شخصان في المدينة نفسها بمستويين مختلفين تمامًا.
وتتسم أعراض النقص بعدم التحديد، فقد تظهر في صورة تعب مستمر أو آلام في العظام والعضلات أو ضعف عام، وقد لا تظهر أعراض واضحة أصلًا. وهذا الغموض هو ما يجعل التحليل الطريق الوحيد لمعرفة المستوى، لأن هذه الأعراض تشترك فيها حالات كثيرة أخرى، ولا يصح أن يبنى عليها قرار بتناول مكمل. أما الجرعة التي يحتاجها من ثبت نقصه، ومدة العلاج، وموعد إعادة التحليل، فيحددها الطبيب بحسب النتيجة والحالة الصحية.
أخطاء شائعة تفسد فائدة الفيتامينات وتزيد خطرها
أكثر الأخطاء شيوعًا أن يبدأ الشخص مكملًا لأن صديقًا نصحه به أو لأن إعلانًا أقنعه، دون تحليل يثبت الحاجة. وهذا الخطأ يولد خطأ آخر، إذ يستمر كثيرون على المكمل شهورًا وربما سنوات دون مراجعة، مع أن الحاجة قد تكون مؤقتة، فيتحول ما بدأ علاجًا لنقص إلى إفراط يحتاج علاجًا بدوره.
ويظن آخرون أن المكمل الغالي أو المكتوب عليه "طبيعي" أفضل وآمن، في حين أن الأهم هو التركيز الفعلي وجودة التصنيع والتسجيل لدى الهيئة العامة للغذاء والدواء. ويقع فريق ثالث في مضاعفة الكمية حين لا يشعر بتحسن سريع، ظنًا أن الزيادة تسرع النتيجة، والواقع أن تعويض النقص يستغرق وقتًا، وأن الزيادة لا تختصره بل تضيف خطرًا.
وتبقى مشكلة إعطاء الأطفال مكملات الكبار أو ترك الحبوب الملونة على هيئة حلوى في متناولهم، وهي من أشيع أسباب التسمم العارض عند الصغار، لأن الطفل قد يتناول عددًا منها ظنًا أنها حلوى. ويكمل هذه الأخطاء الاجتهاد الشخصي أثناء الحمل والرضاعة، فهما مرحلتان تتغير فيهما الاحتياجات وحدود الأمان معًا، ولا يصح فيهما قرار دون طبيب.
كيف تتخذ قرارًا واعيًا بشأن المكملات؟
الخطوة الأولى أن تبدأ من الغذاء لا من الصيدلية؛ فالنظام المتنوع الذي يضم الخضار والفاكهة والبقوليات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المختلفة يغطي حاجة معظم الأصحاء من أغلب الفيتامينات. ويمنح الطعام ميزة لا تمنحها الحبوب، إذ يقدم الفيتامين مع الألياف والمعادن ومركبات أخرى تعمل معًا، وبكمية يصعب أن تبلغ حد الإفراط.
فإذا اشتبهت في نقص بسبب أعراض مستمرة أو ظرف خاص كالحمل أو اتباع نظام نباتي صارم أو تناول أدوية معينة، فالطريق هو الطبيب والتحليل. وحين يقرر الطبيب مكملًا، اسأله عن المدة وموعد إعادة الفحص، واختر منتجًا مسجلًا لدى الجهات الرسمية، واقرأ الملصق لتعرف كل ما يحتويه، فبعض مكملات الشعر مثلًا تجمع عدة فيتامينات في حبة واحدة.
ثم احتفظ بقائمة مكتوبة بكل ما تتناوله من مكملات وأدوية، واعرضها على أي طبيب أو صيدلي تراجعه، خصوصًا قبل التحاليل والعمليات. وإن ظهرت عليك أعراض غير معتادة بعد بدء مكمل، كالغثيان المستمر أو التنميل أو العطش الشديد، فتوقف عن الاستنتاج الذاتي وراجع الطبيب. ولمن يبحث في الحبوب عن التركيز والطاقة، يفيد الرجوع إلى مقال "أكل خفيف وتركيز أعلى: ماذا تأكل؟"، فكثير مما يطلب من المكملات يمكن تحقيقه بتعديل الوجبات.
أسئلة شائعة حول الفيتامينات والمكملات الغذائية
هل يمكن أن أحصل على كل الفيتامينات من الطعام وحده؟
معظم الأصحاء الذين يتبعون نظامًا غذائيًا متنوعًا يحصلون على حاجتهم من أغلب الفيتامينات عبر الطعام، والاستثناءات تتعلق بظروف خاصة. فالحمل يرفع الحاجة إلى حمض الفوليك، والنظام النباتي الصارم يجعل الحصول على فيتامين ب12 صعبًا، وقلة التعرض للشمس تؤثر في فيتامين د. أما من يعتمد على الوجبات السريعة فقد يعاني نقصًا لأن هذه الأطعمة غنية بالسعرات فقيرة بالمغذيات، وهو ما يتناوله مقال "السكر والأطعمة المصنعة وأثرهما". وفي كل هذه الحالات يحدد الطبيب الحاجة بعد التقييم.
ما أعراض الإفراط في الفيتامينات؟
تختلف الأعراض بحسب الفيتامين، ولذلك لا توجد علامة واحدة تكشف الإفراط. فقد يظهر الغثيان والعطش الشديد وكثرة التبول مع زيادة فيتامين د، والصداع وجفاف الجلد وتساقط الشعر مع زيادة فيتامين أ، والتنميل في اليدين والقدمين مع الإفراط الطويل في فيتامين ب6. وأي عرض جديد يظهر بعد بدء مكمل يستحق أن تذكره لطبيبك مع اسم المنتج، ليقرر ما إذا كان مرتبطًا به.
هل مكملات الشعر والبشرة تعطي نتائج حقيقية؟
تفيد هذه المكملات من يعاني نقصًا فعليًا في أحد مكوناتها، لأن تساقط الشعر أو شحوب البشرة قد يكون أحد مظاهر ذلك النقص. أما من لا يعاني نقصًا فلا يوجد دليل قوي على أن الزيادة تمنحه شعرًا أكثف أو بشرة أنضر. ولأن لتساقط الشعر أسبابًا كثيرة، منها اضطرابات الغدة الدرقية ونقص الحديد والتغيرات الهرمونية والتوتر، فمراجعة الطبيب لمعرفة السبب أجدى من تجربة المنتجات واحدًا بعد الآخر.
هل يكفي الجلوس في الشمس لتعويض نقص فيتامين د؟
التعرض المعتدل للشمس يسهم في إنتاج فيتامين د، لكنه لا يكفي وحده عادة لتعويض نقص ثبت بالتحليل، خصوصًا مع اللباس الساتر والبشرة الداكنة. كما أن التعرض الطويل في أوقات الذروة يحمل مخاطر حروق الشمس وتضرر الجلد. ولذلك يجمع الطبيب عادة بين التوجيه الغذائي والمكمل المناسب عند ثبوت النقص، ويضع الخطة وفق مستوى النتيجة.
متى أتوقف عن تناول مكمل بدأته؟
لا يصح أن يكون قرار التوقف أو الاستمرار اجتهادًا شخصيًا حين يكون المكمل قد وصف لعلاج نقص، لأن التوقف المبكر قد يعيد النقص، والاستمرار الطويل قد يقود إلى الإفراط. والأصل أن تعرف من طبيبك عند البدء مدة الاستخدام وموعد إعادة التحليل، فإن لم تعرفهما فاسأله. أما المكملات التي بدأتها دون وصف طبي، فالأجدر مراجعتها مع الطبيب أو الصيدلي لتقييم الحاجة إليها أصلًا.
هل الفيتامينات المتعددة مفيدة للجميع؟
لم تظهر الدراسات فائدة واضحة للفيتامينات المتعددة عند الأصحاء الذين يتبعون غذاء متوازنًا، فيما قد تفيد فئات محددة كبعض كبار السن ومن لديهم مشكلات في الامتصاص أو قيود غذائية. وخطرها الأساسي يأتي من الجمع بينها وبين مكملات أخرى تحتوي المكونات ذاتها، فيتضاعف المقدار دون انتباه. لذلك يستحسن أن يكون تناولها بناء على تقييم، وأن تذكر لأي طبيب ضمن قائمة ما تتناوله.
0 تعليقات