السكر والأطعمة المصنعة وأثرهما

 

يعرف معظم الناس أن السكر ليس صديقًا للصحة، ومع ذلك يستهلكون منه أكثر مما يظنون بكثير. فالسكر الذي يضيفه المرء بيده إلى الشاي والقهوة ليس إلا جزءًا صغيرًا من الحصيلة اليومية، أما الجزء الأكبر فيأتي مخفيًا في العصائر والصلصات والخبز المعبأ وحبوب الإفطار والزبادي المنكه، وفي منتجات تحمل على غلافها كلمة "صحي".

وتنبع صعوبة التعامل مع المشكلة من خلط شائع بين أمرين؛ فيعامل السكر الطبيعي في الفاكهة والحليب كأنه السكر المضاف ذاته، وتوضع الأطعمة المصنعة كلها في سلة واحدة، فيبدو الحل إما مستحيلًا بالمنع الكامل، أو غير ضروري لأن كل شيء مصنع اليوم. والحقيقة أن التمييز بين الفئات هو مفتاح الحل، لأن أضرار السكر تأتي أساسًا من السكر المضاف والحر، وأضرار الأطعمة المصنعة تتركز في الفئة فائقة التصنيع لا في كل طعام مر بمعالجة.

يوضح هذا المقال الفرق بين أنواع السكر ودرجات التصنيع، ويعرض أضرار السكر والأطعمة المصنعة على الجسم والطاقة والبشرة، ثم يشرح كيف تقرأ الملصق لتكتشف السكر المخفي. ويقدم بعد ذلك طرقًا واقعية لتقليل السكر دون حرمان مرهق، ويكشف الأخطاء التي تفشل محاولات التغيير، مع العلامات التي تستدعي فحصًا طبيًا.

الفرق بين السكر الطبيعي والمضاف والحر

السكر الموجود طبيعيًا في الفاكهة الكاملة والحليب يأتي داخل بنية غذائية متكاملة، فالفاكهة تحمل معه أليافًا وماء وفيتامينات تبطئ امتصاصه وتمنح الشبع، والحليب يقدمه مع البروتين والدهون. ولهذا لا تتعامل الإرشادات الصحية مع هذا السكر بالتحفظ ذاته، لأن صعوبة الإفراط فيه وما يصحبه من مغذيات يغيران أثره في الجسم.

أما السكر المضاف فهو ما يضاف إلى الطعام أثناء التصنيع أو التحضير، سواء كان سكرًا أبيض أو بنيًا أو عسلًا أو دبسًا أو شراب ذرة. وتوسع منظمة الصحة العالمية المفهوم إلى ما تسميه "السكريات الحرة"، فتضم إليه السكر الموجود طبيعيًا في العسل والعصائر، لأن العصر يفصل السكر عن الألياف، فيتحول كوب العصير إلى كمية سكر سريعة الامتصاص تعادل عدة حبات من الفاكهة تؤكل في دقيقة واحدة.

وتوصي المنظمة بأن تبقى السكريات الحرة دون عشرة بالمئة من إجمالي الطاقة اليومية، مع فائدة إضافية لخفضها إلى خمسة بالمئة. وهذا التمييز يصحح مفهومين شائعين: أن العسل والسكر البني بديلان صحيان يمكن الإكثار منهما، وأن العصير الطبيعي يساوي الفاكهة. فالعسل والسكر البني يظلان سكرًا حرًا يحسب ضمن الحد، والفاكهة الكاملة تبقى أفضل من عصيرها مهما كان طازجًا ومهما خلا من الإضافات.

أضرار السكر على الجسم والطاقة والبشرة

أقدم أضرار السكر المضاف وأوضحها تسوس الأسنان، إذ تتغذى البكتيريا في الفم على السكر وتنتج أحماضًا تهاجم مينا الأسنان، ويتضاعف الضرر مع تكرار التعرض على مدار اليوم أكثر من الكمية وحدها، فرشفات المشروب المحلى المتفرقة أشد أثرًا من تناوله مرة واحدة. ويأتي بعده أثره في الوزن، فالسكر المضاف، خصوصًا في المشروبات، يضيف سعرات كثيرة دون أن يمنح شبعًا يوازيها، فيأكل المرء فوقها بدل أن يعوضها.

وعلى المدى الطويل ارتبط الاستهلاك المرتفع للسكريات المضافة بزيادة خطر السكري من النوع الثاني وأمراض القلب ودهون الكبد، ويفسر ذلك أن الكبد يحول الفائض من الفركتوز خاصة إلى دهون، وأن زيادة الوزن المصاحبة تضعف استجابة الجسم للإنسولين مع الوقت. أما على مستوى اليوم الواحد، فتصنع السكريات السريعة دورة من الطاقة المرتفعة ثم الهبوط، وهي الدورة التي تقطع التركيز كما يشرح مقال "أكل خفيف وتركيز أعلى: ماذا تأكل؟".

وتنال البشرة نصيبها من هذا الأثر، فالسكر الزائد في الدم يرتبط بالبروتينات كالكولاجين والإيلاستين في عملية تعرف بالتسكر أو الغلكزة، فتفقد هذه البروتينات جزءًا من مرونتها مع الزمن. كما تشير دراسات إلى ارتباط الأنظمة الغنية بالسكريات والنشويات المكررة بتفاقم حب الشباب عند بعض الأشخاص، وإن كان حب الشباب متعدد الأسباب ويحتاج تقييمه إلى طبيب الجلدية.

الأطعمة المصنعة ليست كلها في درجة واحدة

التصنيع في ذاته ليس عيبًا، فالخضار المجمدة والبقوليات المعلبة واللبن والأجبان أطعمة مرت بمعالجة، وكثير منها يحفظ القيمة الغذائية ويسهل الطبخ الصحي في الأيام المزدحمة. ولهذا يميز الباحثون بين درجات التصنيع، من الأطعمة قليلة المعالجة التي تحافظ على طبيعتها، إلى الأطعمة فائقة التصنيع التي تصنع أساسًا من مكونات مستخلصة ومعدلة لا تستخدم عادة في المطبخ المنزلي.

وتتميز الأطعمة فائقة التصنيع بقائمة مكونات طويلة تضم محسنات نكهة ومستحلبات وألوانًا ومحليات، وبتركيبة تجمع السكر والدهون والملح بنسب تجعلها شديدة الإغراء وسهلة الإفراط. ويفسر هذا التركيب لماذا يصعب التوقف عند كيس واحد من رقائق البطاطس أو علبة واحدة من المشروب الغازي، فالمنتج مصمم ليؤكل بسرعة وبكمية تتجاوز الشبع، ويتسع ذلك ليشمل اللحوم المصنعة والحلويات المعبأة وكثيرًا من حبوب الإفطار المحلاة.

وتربط دراسات رصدية كثيرة بين الاستهلاك المرتفع لهذه الأطعمة وزيادة خطر السمنة وأمراض القلب والسكري، وتتعدد التفسيرات بين فقرها بالألياف والبروتين، وارتفاع كثافتها من السعرات، وسرعة أكلها التي تسبق إشارات الشبع. ويمتد أثر فقرها بالألياف إلى الأمعاء، إذ تحرم الميكروبات النافعة من غذائها، وهو ما يفصله مقال "صحة الجهاز الهضمي والانتفاخ". ومن الإنصاف أن تفهم هذه النتائج على أنها ارتباطات قوية ومتكررة، لا أحكامًا على كل قطعة تؤكل أحيانًا.

كيف تكتشف السكر المخفي في ملصقات الأطعمة؟

أول ما يستحق القراءة في الملصق قائمة المكونات، لأنها مرتبة من الأكثر وزنًا إلى الأقل، فإذا جاء السكر أو أحد أسمائه في أول القائمة فهو من المكونات الرئيسية للمنتج. والصعوبة أن السكر يظهر بأسماء كثيرة، منها السكروز والجلوكوز والدكستروز والمالتوز وشراب الذرة عالي الفركتوز وشراب الجلوكوز والعسل والدبس ومركز عصير الفاكهة، وقد يتوزع في المنتج الواحد على عدة أسماء، فيبدو كل منها صغيرًا في القائمة بينما يشكل مجموعها نسبة كبيرة.

ثم تأتي لوحة الحقائق الغذائية التي تبين كمية السكريات في الحصة الواحدة، وهنا يقع كثيرون في فخ حجم الحصة، إذ قد تكون الحصة المكتوبة نصف العبوة أو ثلثها، بينما يستهلك الشخص العبوة كاملة. ولذلك تقرأ الكمية مقرونة بحجم الحصة، وتقارن المنتجات المتشابهة ببعضها لاختيار الأقل سكرًا، فالفرق بين علامتين تجاريتين للزبادي المنكه أو حبوب الإفطار قد يكون كبيرًا.

وتستحق عبارات الغلاف الأمامي حذرًا خاصًا، فعبارة "بدون سكر مضاف" قد تعني أن المنتج محلى بمركز عصير أو معجون تمر، وعبارة "قليل الدسم" قد تخفي زيادة في السكر لتعويض الطعم، وكلمة "طبيعي" لا تحمل تعريفًا يضمن قيمة غذائية أفضل. فالملصق الخلفي هو المرجع، والغلاف الأمامي أداة تسويق قبل أن يكون معلومة.

طرق واقعية لتقليل السكر دون حرمان مرهق

تبدأ أكثر الخطوات أثرًا من المشروبات، لأنها المصدر الأكبر للسكر المضاف عند كثيرين وأسهل ما يمكن تغييره. فاستبدال المشروبات الغازية والعصائر المحلاة بالماء أو الماء المنكه بالليمون والنعناع، وتخفيف السكر في الشاي والقهوة تدريجيًا، يخفض الحصيلة اليومية بوضوح دون أن يمس الوجبات.

ويعتمد نجاح التقليل على التدرج، لأن حاسة التذوق تتكيف مع مستوى الحلاوة المعتاد. فمن يخفض السكر في كوبه قليلًا كل أسبوع يجد بعد مدة أن الكوب القديم صار شديد الحلاوة، بينما يؤدي المنع المفاجئ غالبًا إلى رغبة ملحة تنتهي بالعودة إلى ما كان عليه أو أكثر. ويساعد على ذلك أن يبقى في البيت ما يلبي الرغبة في الحلاوة بطريقة أفضل، كالفاكهة الكاملة أو حبات من التمر مع المكسرات في إطار وجبة.

أما الطبخ في البيت فيمنح التحكم الأكبر، إذ يعرف الشخص ما يدخل في الصلصة والخبز والحلوى، ويستطيع خفض السكر في الوصفات المعتادة دون أن يلاحظ أحد الفرق في الغالب. ويكمل ذلك التخطيط للوجبات الخفيفة مسبقًا، لأن الجوع المفاجئ في غياب البديل الجاهز هو ما يقود إلى آلة البيع أو المتجر. وفي المناسبات والولائم يكفي الاعتدال والاختيار بدل المقاطعة التي يصعب الاستمرار عليها اجتماعيًا.

أخطاء تفشل محاولات تقليل السكر من بدايتها

يبدأ الفشل غالبًا من منطق الكل أو لا شيء، حين يقرر الشخص منع السكر تمامًا دفعة واحدة، ثم ينهار عند أول مناسبة، فيعد نفسه فاشلًا ويعود إلى عاداته السابقة. والأجدى أن ينظر إلى التقليل على أنه اتجاه عام يقاس بالأسابيع، لا اختبار يحسم في يوم واحد.

ويتلوه الاستبدال الوهمي، كالتحول إلى منتجات "خالية من السكر" أو "دايت" مع الاعتقاد بأنها تبيح الأكل بلا حدود، في حين أن بعضها غني بالدقيق المكرر والدهون، وأن الإفراط في المحليات الصناعية لا يعيد تعويد الذوق على حلاوة أقل. ومثله استبدال السكر الأبيض بالعسل أو السكر البني أو شراب الأغاف بالكمية نفسها ظنًا أنها أصح، وهي في النهاية سكريات حرة تحسب ضمن الحصيلة.

ويقع آخرون في فخ التعويض، فيشرب عصيرًا طبيعيًا بدل المشروب الغازي ويظن أنه حل المشكلة، أو يأكل لوح بروتين بدل قطعة الحلوى دون أن يقرأ محتواه من السكر. وأخطر من ذلك كله إهمال العلامات التي تستدعي فحصًا، كالعطش الشديد وكثرة التبول والتعب المستمر وبطء التئام الجروح وتكرار الالتهابات، فهذه أعراض ينبغي عرضها على الطبيب لإجراء فحص سكر الدم، خصوصًا عند وجود تاريخ عائلي للسكري أو زيادة في الوزن، دون انتظار أن يحل تعديل الطعام المشكلة وحده.

أسئلة شائعة حول السكر والأطعمة المصنعة

هل التمر والعسل أفضل من السكر الأبيض؟

يحتوي التمر الكامل على ألياف ومعادن ومضادات أكسدة تجعله أفضل من السكر الأبيض حين يؤكل ثمرة كاملة باعتدال، لأن أليافه تبطئ امتصاص سكره. أما العسل فيحمل بعض المركبات المفيدة بكميات صغيرة، لكنه يحسب سكرًا حرًا كالسكر الأبيض من حيث الأثر في الحصيلة اليومية. ولذلك فاستبدال السكر بالعسل في الشاي لا يبيح الإكثار منه، والتمر المستخدم في الحلويات أو المعجون أو الدبس يفقد جزءًا من ميزته حين يركز ويكثر منه.

هل يجب أن أمتنع عن السكر تمامًا؟

الهدف الصحي الذي تطرحه الإرشادات هو خفض السكريات الحرة لا الامتناع المطلق، ولا حاجة إلى تجنب السكر الطبيعي في الفاكهة الكاملة والحليب عند الأصحاء. والامتناع التام صعب الاستمرار عند معظم الناس، وقد يولد علاقة متوترة مع الطعام تنتهي بنوبات إفراط. أما من لديهم السكري أو مقدمات السكري أو حالات صحية خاصة، فيحدد الطبيب أو أخصائي التغذية ما يناسبهم بحسب حالتهم.

ما الفرق بين الأطعمة المصنعة والأطعمة فائقة التصنيع؟

الأطعمة المصنعة تشمل كل طعام مر بمعالجة كالتجميد أو التعليب أو التخمير أو الطهي، وكثير منها صحي ومفيد كالخضار المجمدة والبقوليات المعلبة واللبن. أما الأطعمة فائقة التصنيع فتصنع أساسًا من مكونات مستخلصة ومعدلة، وتحتوي على إضافات كالمستحلبات ومحسنات النكهة والألوان، وتكون غالبًا مرتفعة في السكر والدهون والملح منخفضة في الألياف. والتقليل من الفئة الثانية هو ما ترتبط به الفائدة الصحية، لا تجنب كل ما مر بمعالجة.

هل المحليات الصناعية بديل آمن للسكر؟

المحليات التي تعتمدها الجهات الرقابية آمنة ضمن الحدود المسموح بها، ويمكن أن تساعد بعض الأشخاص مرحليًا على تقليل السكر. لكن منظمة الصحة العالمية لا توصي بالاعتماد عليها وسيلة للتحكم في الوزن على المدى الطويل، كما أنها تبقي الذوق معتادًا على الحلاوة الشديدة. ولهذا ينظر إليها على أنها خطوة انتقالية لا حل دائم، ومن لديه حالة صحية خاصة يناقش استخدامها مع طبيبه.

هل الإقلاع عن السكر يحسن البشرة؟

قد يلاحظ بعض الناس تحسنًا في بشرتهم بعد تقليل السكر والنشويات المكررة، وتشير دراسات إلى ارتباط هذه الأنظمة بحب الشباب عند بعض الأشخاص. لكن البشرة تتأثر بعوامل كثيرة منها الوراثة والهرمونات والنوم والعناية الموضعية، ولذلك لا يمكن الوعد بنتيجة محددة من تقليل السكر وحده. ومن يعاني حب شباب مستمرًا أو مشكلات جلدية مزعجة فالأجدى أن يراجع طبيب الجلدية لتحديد السبب والخطة المناسبة.

لماذا أشتهي الحلويات بشدة بعد الوجبات أو في المساء؟

تتعدد أسباب هذه الرغبة، فقد تأتي من عادة متكررة ربطت نهاية الوجبة بالحلوى، أو من وجبات فقيرة بالبروتين والألياف لا تمنح شبعًا كافيًا، أو من قلة النوم التي تؤثر في هرمونات الجوع والشبع، أو من التوتر والإرهاق في آخر اليوم. وفهم السبب يحدد الحل، فتحسين تركيب الوجبة وانتظام النوم وتعديل العادة تدريجيًا أجدى من مقاومة الرغبة بالإرادة وحدها. أما إذا صاحبت الرغبة الشديدة أعراض كالعطش المستمر أو التعب غير المعتاد، فالأجدر مراجعة الطبيب.


إرسال تعليق

0 تعليقات