علامات تقدم البشرة وكيف تؤخرها

 

تقف امرأتان في الأربعين أمام المرآة، تبدو إحداهما في منتصف الثلاثينيات، وتبدو الأخرى أكبر من عمرها بسنوات، مع أن العمر واحد والجينات قد تكون متقاربة. وأغلب هذا الفرق صنعته ساعات الشمس غير المحمية، وسنوات التدخين أو السهر، وعادات صغيرة تراكمت على مدى عقدين، قبل أن يدخل أي كريم في الحساب.

ويبحث كثيرون عن تأخير شيخوخة البشرة في الكريمات والمشروبات والإجراءات، فيبدؤون متأخرين، بعد ظهور التجاعيد الواضحة، وبأغلى الحلول. في حين تبدأ أولى علامات تقدم البشرة قبل التجاعيد بسنوات، في صورة بهتان وتفاوت في اللون وفقدان تدريجي للمرونة، وهي المرحلة التي يكون فيها التأخير أسهل وأقل كلفة.

ويقوم هذا المقال على فكرة أن للبشرة ساعتين: ساعة داخلية تحكمها الوراثة ولا سبيل إلى إيقافها، وساعة خارجية تحركها الشمس والتدخين والنوم والغذاء. والرهان الرابح في تأخير علامات التقدم يكون على إبطاء الساعة الثانية، لأنها مسؤولة عن الجزء الأكبر من العلامات المبكرة، وهي في يد صاحبها إلى حد بعيد. أما الساعة الأولى فلا يملك أحد تغيير إيقاعها، وإنما يملك التعامل معها بعناية تناسب كل مرحلة.

نبدأ بشرح الساعتين، ثم علامات التقدم المبكرة التي تسبق التجاعيد، وما الذي يسرّع الشيخوخة فعلًا، والمكونات التي تستند إلى أدلة، ثم الأخطاء المتكررة في هذا الباب، وخطة عملية تناسب كل مرحلة من مراحل العمر.

ساعتان تتحكمان في عمر البشرة

تبدأ الشيخوخة الداخلية ببطء منذ منتصف العشرينيات تقريبًا، حين يتراجع إنتاج الكولاجين والإيلاستين تدريجيًا، ويتباطأ تجدد الخلايا، وتقل قدرة الجلد على الاحتفاظ بالرطوبة. ويتسارع هذا المسار بعد سن اليأس عند النساء بسبب انخفاض الإستروجين، فيرق الجلد ويجف بصورة أوضح. وهذه ساعة تسير بإيقاع تحدده الوراثة، ولا يوقفها منتج مهما كان.

أما الشيخوخة الخارجية فتضيف فوق ذلك ضررًا يمكن التحكم فيه، وأبرز مصادرها الأشعة فوق البنفسجية التي تفكك الكولاجين وتحفز التصبغ، ثم التدخين الذي يضيق الأوعية ويحرم الجلد من الأكسجين والغذاء، إلى جانب قلة النوم والتلوث والغذاء الغني بالسكر. وتظهر آثار هذه الساعة في المناطق المكشوفة، ولهذا يبدو جلد الوجه وظهر اليدين أكبر سنًا من جلد البطن عند الشخص نفسه.

ويترتب على هذا التمييز أن معظم ما يُسمى علامات تقدم مبكرة، من بقع وخطوط دقيقة وخشونة، نتاج الساعة الخارجية. ولذلك تبدأ الوقاية بتقليل مصادر الضرر قبل البحث عن مواد الإصلاح، فالبشرة المحمية من الشمس والدخان تحتفظ غالبًا بشبابها أطول من بشرة تُعالج بأغلى الكريمات وهي مكشوفة لهما. ويبعث هذا على التفاؤل، لأن جزءًا كبيرًا من مستقبل البشرة يتحدد بقرارات يومية بسيطة.

علامات تقدم البشرة المبكرة التي تسبق التجاعيد

أولى العلامات فقدان الإشراقة، إذ يتباطأ تجدد الخلايا فتتراكم الطبقة الميتة على السطح وتعكس الضوء بصورة أقل، فتبدو البشرة باهتة حتى بعد النوم الجيد. ويصاحب ذلك غالبًا تفاوت في اللون، في صورة بقع بنية صغيرة على الوجنتين والجبهة وظهر اليدين، وهي آثار التعرض المتراكم للشمس أكثر من كونها علامات عمر.

ثم تأتي الخطوط الدقيقة حول العينين والفم، فتظهر أولًا مع تعابير الوجه، ثم تبقى بعد انتهائها، إلى جانب اتساع المسام وخشونة الملمس. وتقل المرونة تدريجيًا، فيبطؤ رجوع الجلد إلى وضعه حين يُضغط أو يُسحب برفق، ويزداد الجفاف لأن الجلد يفقد جزءًا من قدرته على حبس الماء. وقد تظهر هذه العلامات على الرقبة وظهر اليدين قبل الوجه، لأنهما يتعرضان للشمس ولا يحظيان بالعناية نفسها، فتبدو عليهما الخطوط الأفقية والبقع مبكرًا.

ومع التقدم تظهر العلامات الأوضح، كالتجاعيد العميقة، وترهل خط الفك والجفون، وفقدان الامتلاء في الوجنتين وتحت العينين بسبب تغير الدهون والعظام تحت الجلد. وهذه المرحلة المتأخرة تحتاج إلى وسائل أقوى يقررها طبيب الجلدية، بينما تستجيب العلامات المبكرة بدرجة أفضل للوقاية والعناية المنتظمة.

ما الذي يسرّع شيخوخة البشرة فعلًا؟

تتصدر الشمس القائمة بفارق كبير، فالتعرض المتكرر دون حماية مسؤول عن نسبة كبيرة من التجاعيد المبكرة والبقع وخشونة الملمس، ويتوسع مقال «واقي الشمس: لماذا هو الأهم في الروتين؟» في شرح ذلك. ويأتي بعدها التدخين بأنواعه، ومنها الشيشة، إذ يقلل تدفق الدم إلى الجلد ويولد مواد تتلف الكولاجين، ويضيف تكرار زم الشفاه حول المبسم خطوطًا عمودية حول الفم.

وتترك قلة النوم أثرها سريعًا في صورة هالات وبهتان، ويتراكم أثرها على المدى الطويل لأن الجلد ينجز جزءًا كبيرًا من إصلاحه أثناء النوم، وقد عرض مقال «أكثر العادات ضررًا بالجسم» هذا الجانب بالتفصيل. أما السكر المرتفع في الغذاء فيرتبط بعملية تُعرف بالتسكر، يلتصق فيها السكر بألياف الكولاجين فيجعلها أكثر تيبسًا وأقل مرونة، وتنشط هذه العملية حين يرتفع سكر الدم باستمرار.

ويسرّع التقدم أيضًا تذبذب الوزن السريع، لأن فقدان الوزن الحاد لا يمنح الجلد وقتًا كافيًا للتكيف، والتوتر المزمن الذي يرفع هرمونات تؤثر في الكولاجين، والتلوث في المدن المزدحمة الذي يولد جذورًا حرة تجهد الجلد. واجتماع أكثر من عامل منها يضاعف الأثر، فالمدخن الذي يسهر ويتعرض للشمس يجمع ثلاثة مسرعات في وقت واحد. وتشير أبحاث إلى أن الحرارة المرتفعة والأشعة تحت الحمراء قد تسهم بدورها في تكسير الكولاجين، وهو أمر يستحق الانتباه في مناخ حار كمناخ المملكة، إلى جانب الحميات القاسية الفقيرة بالبروتين التي تحرم الجلد مادة بنائه.

مكونات أثبتت فائدتها في تأخير علامات التقدم

تحظى الريتينويدات، وهي مشتقات فيتامين أ، بأقوى الأدلة في تحسين الخطوط الدقيقة والملمس والتصبغات، لأنها تحفز تجدد الخلايا وإنتاج الكولاجين. ومنها ما يُصرف بوصفة طبية، ومنها الريتينول المتوفر في مستحضرات التجميل بصورة أخف. وتحتاج إلى بداية تدريجية لأنها قد تسبب جفافًا وتقشرًا في الأسابيع الأولى، وتُستخدم ليلًا مع واقي شمس صباحًا، وتُتجنب طوال فترة الحمل.

ويأتي فيتامين سي مضادًا للأكسدة يقوّي صمود الجلد أمام أضرار الشمس ويساعد على توحيد اللون، ويساهم النياسيناميد في تقوية حاجز الجلد وتحسين التصبغات، بينما يمنح حمض الهيالورونيك والمرطبات امتلاءً مؤقتًا يخفف ظهور الخطوط الناتجة عن الجفاف. وتفيد الأحماض المقشرة اللطيفة، كحمض اللاكتيك والجليكوليك، في تحسين الملمس والإشراقة حين تُستخدم باعتدال. والجمع بين مرطب جيد وواقي شمس ومكون فعال واحد يكفي معظم الناس في البداية.

ويحتاج الكولاجين الموضعي إلى تصحيح شائع، فجزيئاته أكبر من أن تنفذ إلى الطبقة العميقة لتحل محل الكولاجين المفقود، ودوره في الكريم يقتصر غالبًا على الترطيب. أما مكملات الكولاجين فأدلتها ما زالت محدودة ومتفاوتة الجودة، ولا تعوض الحماية من الشمس. ولا يعكس السعر المرتفع قوة المنتج، فالمكونات المثبتة متوفرة في منتجات متوسطة الثمن، وتسجيل المنتج لدى الجهات الرقابية أهم من شهرة اسمه. كما تستحق المنتجات التي تعد بنتائج خلال أيام الحذر، لأن تجدد الجلد يستغرق أسابيع على الأقل.

أخطاء شائعة في محاولة تأخير الشيخوخة

الاندفاع إلى المكونات القوية دفعة واحدة، كاستخدام الريتينويد يوميًا من البداية مع مقشرات حمضية، ينتهي غالبًا بتهيج يجبر على التوقف، فتضيع الفائدة كلها. ويتصل به الإفراط في التقشير بحثًا عن إشراقة سريعة، مع أن الحاجز الجلدي الضعيف يفقد الرطوبة ويتهيج، فتبدو البشرة أكبر سنًا لا أصغر.

ومن الأخطاء قصر العناية على الوجه وإهمال الرقبة وأعلى الصدر وظهر اليدين، مع أنها تكشف العمر مبكرًا لتعرضها للشمس دون حماية في الغالب. ويستهين بعضهم كذلك بشمس الرحلات البرية والبحرية، فيقضون ساعات طويلة مكشوفين تضيف إلى رصيد الضرر الكثير في يوم واحد. ويؤجل كثيرون الوقاية حتى تظهر التجاعيد، مع أن الواقي في العشرينيات يمنع ما يصعب إصلاحه في الأربعينيات.

ويلجأ بعضهم إلى الحقن والإجراءات التجميلية قبل ضبط الأساسيات، فيدفعون كلفة عالية لنتيجة تتآكل أسرع لأن أسباب التقدم ما زالت قائمة. والأخطر إجراء هذه الحقن في أماكن غير مرخصة أو على يد غير مختصين، فمضاعفاتها قد تكون خطيرة، ولذلك لا تُجرى إلا عند طبيب مرخص في منشأة مرخصة.

خطة عملية لتأخير علامات التقدم عبر مراحل العمر

في العشرينيات يكفي الأساس المتين: واقي شمس يومي، وتنظيف لطيف، ومرطب مناسب، والابتعاد عن التدخين، ونوم منتظم. فهذه المرحلة أنسب وقت لبناء العادات، لأن ما يُمنع فيها من ضرر لا يحتاج إلى إصلاح لاحقًا، ويمكن إضافة مضاد أكسدة صباحي لمن ترغب.

ومع الثلاثينيات، حين تبدأ الخطوط الدقيقة والتصبغات بالظهور، يصبح الريتينويد إضافة مفيدة يُبدأ بها تدريجيًا، مع الاستمرار في الواقي وزيادة العناية بالترطيب وبالمنطقة المحيطة بالعينين. ويفيد في هذه المرحلة الانتباه إلى غذاء متوازن غني بالخضار والبروتين مع الحد من السكريات، لأن أثر نمط الحياة يزداد وضوحًا على البشرة مع العمر. ويُعد هذا العقد وقتًا مناسبًا لمراجعة العادات المؤثرة، كالسهر والتدخين، قبل أن يتضاعف أثرها في الأربعينيات.

وفي الأربعينيات وما بعدها، تحتاج البشرة إلى مرطبات أغنى لتعويض الجفاف، وقد يفيد تقييم طبيب الجلدية لتحديد الحاجة إلى علاجات أقوى أو إجراءات، بحسب حالة كل بشرة. ويبقى فحص الجلد عند الطبيب مهمًا في كل الأعمار عند ظهور شامة جديدة أو تغير في شامة قديمة، فالعناية بعمر البشرة تشمل صحتها لا مظهرها وحده. ولا تختلف هذه المبادئ عند الرجال، فالواقي والمرطب والابتعاد عن التدخين تنطبق على الجميع، مع عناية إضافية بالبشرة بعد الحلاقة لأنها تكون أكثر عرضة للتهيج.

أسئلة حول علامات تقدم البشرة وتأخيرها

في أي عمر تبدأ علامات تقدم البشرة بالظهور؟

يبدأ تراجع إنتاج الكولاجين منذ منتصف العشرينيات تقريبًا، لكن ظهور العلامات يختلف كثيرًا بين الناس بحسب الوراثة والتعرض للشمس والتدخين ونمط الحياة. فقد تظهر البقع والخطوط الدقيقة في أواخر العشرينيات عند من يتعرض للشمس كثيرًا دون حماية، بينما تتأخر سنوات عند من يحمي بشرته. ويختلف الأمر أيضًا بحسب لون البشرة، فالفاتحة تظهر عليها الخطوط أبكر غالبًا، بينما تميل السمراء إلى التصبغات. ولهذا تبدأ الوقاية مبكرًا دون انتظار ظهور العلامات.

هل كريمات الكولاجين تعيد شباب البشرة؟

الكولاجين الموضعي لا ينفذ إلى الطبقات العميقة ليعوض الكولاجين المفقود، ويقتصر أثره غالبًا على الترطيب وتحسين الملمس مؤقتًا. والمكونات التي تحفز الجلد على إنتاج الكولاجين بنفسه، كالريتينويدات، تملك أدلة أقوى. ولهذا لا ينبغي التعويل على الكريم لمجرد احتوائه على الكولاجين، ولا دفع سعر مرتفع بناءً على هذه المادة وحدها.

هل يمكن التخلص من التجاعيد نهائيًا؟

لا توجد وسيلة تمحو التجاعيد نهائيًا أو توقف تقدم البشرة، لكن هناك ما يخفف ظهورها ويبطئ تكوّن الجديد منها، كالحماية من الشمس والريتينويدات والترطيب الجيد. أما التجاعيد العميقة فتحتاج إلى إجراءات يقررها طبيب الجلدية بحسب الحالة، ونتائجها متفاوتة وتتطلب متابعة. وحتى الإجراءات التي تخفف التجاعيد مؤقتًا تحتاج إلى تكرار للحفاظ على أثرها، والتوقعات الواقعية تحمي من الإنفاق على وعود لا تتحقق.

هل النوم على جانب واحد يسبب التجاعيد؟

قد يترك الضغط المتكرر للوسادة على الوجه خطوطًا مؤقتة تزول صباحًا في سن مبكرة، ومع الوقت وضعف مرونة الجلد قد تصبح أوضح في الجانب الذي يُنام عليه. غير أن أثر هذا العامل أقل بكثير من أثر الشمس والتدخين. ومن يلاحظ هذه الخطوط يمكنه النوم على الظهر إن استطاع، أو استخدام غطاء وسادة ناعم يقلل الاحتكاك.

متى يُبدأ باستخدام الريتينول؟

لا يوجد عمر محدد، لكن كثيرًا من أطباء الجلدية يرون أواخر العشرينيات أو الثلاثينيات وقتًا مناسبًا للبدء لمن يهتم بتأخير علامات التقدم، وقد تُستخدم الريتينويدات أبكر لعلاج حب الشباب بوصفة طبية. والبداية تكون بمرات قليلة في الأسبوع تزداد مع تحمل البشرة، مع واقي الشمس صباحًا. ويؤجَّل استخدامه في الحمل والرضاعة ما لم يأذن الطبيب.

هل شرب الماء بكثرة يمنع التجاعيد؟

شرب كمية كافية من الماء ضروري لصحة الجسم عمومًا، وقد يلاحظ من يشرب قليلًا تحسنًا في مظهر بشرته عند تعويض النقص. لكن الإكثار من الماء فوق الحاجة لا يمنع التجاعيد ولا يعالجها، لأن جفاف سطح الجلد يرتبط بحاجزه الواقي أكثر من كمية الماء المشروبة. ولهذا يبقى المرطب الموضعي والحماية من الشمس أوضح أثرًا في مظهر البشرة، ويبقى الماء مع ذلك أفضل من المشروبات المحلاة التي يرتبط سكرها بتسريع تقدم البشرة.


إرسال تعليق

0 تعليقات