حب الشباب: الأسباب والتعامل الصحيح

 

تغسل فتاة في السابعة عشرة وجهها أربع مرات يوميًا بغسول قوي، وتفركه بمقشر حبيبي، وتضع معجون الأسنان على الحبوب قبل النوم، ثم تلاحظ أن بشرتها تزداد احمرارًا وأن الحبوب لا تتراجع. فكل خطوة من هذه الخطوات مبنية على افتراض واحد خاطئ، هو أن حب الشباب ناتج عن اتساخ الوجه، وأن علاجه في تجفيفه.

والحقيقة أن حب الشباب حالة التهابية تبدأ داخل بصيلة الشعر والغدة الدهنية المتصلة بها، لا على سطح الجلد. وهو ليس مشكلة المراهقين وحدهم، إذ يستمر عند كثيرين أو يبدأ لأول مرة بعد العشرين، خصوصًا عند النساء، وترتبط شدته بالهرمونات والوراثة أكثر من ارتباطها بعدد مرات غسل الوجه. ولا يقتصر على الوجه، فقد يظهر على الظهر والصدر وأعلى الذراعين، حيث تكثر الغدد الدهنية أيضًا.

والدرس الأهم الذي يقوم عليه هذا المقال أن التعامل الصحيح مع حب الشباب لطيف ومبكر، لأن الحبوب نفسها مؤقتة في الغالب، أما الندبات التي تخلفها الحبوب الملتهبة والمعصورة فقد تبقى سنوات. ولذلك يكون الهدف الحقيقي حماية الجلد من الأثر الدائم، لا مطاردة كل حبة بمنتج جديد.

نبدأ بشرح كيف تتكون الحبة داخل الجلد، ثم أسباب حب الشباب الحقيقية، ولماذا يفشل الإفراط في التنظيف والتجفيف، والأخطاء الشائعة في التعامل معه، وطريقة العناية اليومية، ومتى يحتاج الأمر إلى طبيب الجلدية، ونختم بالأسئلة التي تتكرر عن الحبوب وآثارها.

كيف تتكون حبة الشباب داخل الجلد؟

تتصل كل بصيلة شعر في الوجه بغدة دهنية تفرز مادة زيتية تحمي الجلد وترطبه. وحين تزيد هذه الإفرازات، وتلتصق خلايا الجلد الميتة ببعضها داخل فتحة البصيلة بدل أن تتساقط، تنشأ سدادة تغلق الفتحة. فإن بقيت الفتحة مفتوحة تأكسد سطح السدادة وظهر رأسًا أسود، وإن انغلقت ظهرت رأسًا أبيض تحت الجلد.

وفي هذه البيئة المغلقة الغنية بالدهون تتكاثر بكتيريا تعيش طبيعيًا على الجلد، فيستجيب الجهاز المناعي بالتهاب يحوّل الانسداد إلى حبة حمراء، أو بثرة بها صديد، أو كتلة عميقة مؤلمة في الحالات الأشد. ولهذا تختلف أشكال حب الشباب من شخص لآخر، ومن مرحلة إلى أخرى عند الشخص نفسه. وتنقسم الحبوب عمومًا إلى غير ملتهبة، وهي الرؤوس السوداء والبيضاء، وملتهبة تشمل الحبوب الحمراء والبثور والكتل العميقة، وهذا التقسيم يوجه اختيار العلاج الأنسب.

وتكشف هذه الآلية أن حب الشباب يبدأ قبل أن يُرى بأسابيع، في انسدادات صغيرة لا تظهر على السطح، وأن المنظفات السطحية لا تصل إلى موضع المشكلة. كما تفسر لماذا تحتاج العلاجات الفعالة وقتًا لتظهر نتيجتها، فهي تعمل على منع الانسدادات الجديدة، ولا تزيل ما تكوّن بالفعل في ليلة واحدة.

أسباب حب الشباب بين الهرمونات والوراثة ونمط الحياة

تُعد الهرمونات الذكرية الموجودة لدى الجنسين المحرك الأول لإفراز الدهون، ولهذا يبدأ حب الشباب مع البلوغ، وتلاحظ كثير من النساء اشتداده قبل الدورة الشهرية بأيام. وحين يترافق حب الشباب لدى المرأة مع اضطراب الدورة وزيادة شعر الوجه والجسم، فقد يكون مرتبطًا بتكيّس المبايض ومقاومة الأنسولين، وهي علاقة تناولها مقال «الوقاية من السكري في سن مبكرة».

وللوراثة أثر واضح، فمن أصيب والداه بحب شباب شديد يكون أكثر عرضة له. كما قد يظهر حب الشباب أو يشتد مع بعض الأدوية كالكورتيزون، ومع الاحتكاك المتكرر من الكمامة أو الخوذة أو سماعة الهاتف، ومع مستحضرات التجميل والشعر الزيتية التي تسد المسام، وهي نقطة فصّلها مقال «هل المكياج مضر بالبشرة؟ الحقيقة والوقاية». وفي المملكة يضيف الحر والعرق عاملًا آخر، فاحتكاك النقاب أو الحجاب المشدود بالجلد مع العرق قد يثير حبوبًا في الجبهة والذقن، كما قد تتسرب زيوت الشعر إلى خط الجبهة تحت غطاء الرأس.

أما الغذاء فعلاقته أدق مما يُشاع، فالأدلة على الشوكولاتة وحدها ضعيفة، بينما تشير دراسات إلى ارتباط الأنظمة الغنية بالسكريات والنشويات المكررة بزيادة حب الشباب عند بعض الناس، وإلى علاقة محتملة بالحليب، خصوصًا الخالي من الدسم. ويزيد التوتر الحبوب عبر هرموناته، وكذلك قلة النوم، ولهذا تكثر الحبوب في مواسم الاختبارات وضغط العمل. ومن يلاحظ ارتباطًا بين صنف بعينه وظهور الحبوب يمكنه تقليله أسابيع ومراقبة النتيجة، بدل حرمان نفسه من أصناف كثيرة دون دليل.

لماذا يفشل الإفراط في التنظيف والتجفيف؟

يحتاج الجلد إلى طبقة واقية من الدهون والرطوبة تحفظ توازنه، والغسول القوي المتكرر يجرده منها، فيجف ويتهيج، وقد يزداد لمعانه عند بعض الناس بدل أن يقل. ويضيف الفرك بالمقشرات الحبيبية والفرش الخشنة تهيجًا للحبوب الملتهبة أصلًا، فيزيد الاحمرار ويطيل مدة الالتهاب، دون أن يصل إلى الانسداد العميق الذي تبدأ منه المشكلة.

وتنتشر وصفات منزلية للتجفيف، كمعجون الأسنان وعصير الليمون والخل والكحول، وكلها مهيجة للجلد، وقد يسبب الليمون مع التعرض للشمس حروقًا وبقعًا داكنة. فالحبة قد تبدو أصغر بعد ليلة من التجفيف، لكن الجلد حولها يدفع الثمن احمرارًا وتقشرًا، وأحيانًا تصبغًا يبقى أطول من الحبة نفسها.

والبديل هو التنظيف اللطيف مرتين يوميًا بغسول مناسب، وبعد التعرق الشديد، مع مرطب لا يسد المسام حتى للبشرة الدهنية. فالبشرة المتوازنة أقدر على تحمل العلاجات الفعالة، في حين تتحول البشرة المتهيجة إلى عائق يمنع استخدام ما ينفعها. ويكفي بعد الرياضة أو يوم حار غسل الوجه مرة إضافية بالغسول نفسه، دون الحاجة إلى منظفات أقوى.

أخطاء شائعة في التعامل مع حب الشباب

عصر الحبوب أكثر هذه الأخطاء إغراءً وأعلاها كلفة، لأنه يدفع جزءًا من محتوى الحبة إلى الطبقات الأعمق، فيوسع الالتهاب ويزيد احتمال الندبات والآثار الداكنة، إضافة إلى خطر نقل العدوى من الأصابع. والحبة التي تُترك تهدأ غالبًا أسرع وأنظف من الحبة التي تُعصر، مهما بدت الأخيرة أصغر في اللحظة الأولى.

ويقع كثيرون في تبديل المنتجات كل أسبوع بحثًا عن نتيجة سريعة، مع أن العلاجات تحتاج إلى عدة أسابيع قبل الحكم عليها، والتبديل المستمر يهيج البشرة ويحرم أي علاج من فرصته. ويقابله خطأ الإيقاف فور التحسن، فتعود الحبوب لأن الانسدادات تتكون باستمرار، ويعود إلى الطبيب تحديد متى يُخفف العلاج وكيف.

وأخطر من ذلك استخدام كريمات تحتوي على الكورتيزون دون إشراف، سواء كانت مخلوطة في كريمات تفتيح أو موصوفة لحالة أخرى، فهي قد تخفف الاحمرار مؤقتًا لكنها تسبب مع الوقت حبوبًا وترققًا في الجلد. ومثلها استعمال علاج موصوف لصديقة أو أخت، فما ناسب حالة قد لا يناسب أخرى، وبعض علاجات حب الشباب القوية لا تُصرف إلا بمتابعة دقيقة. والأخطر شراء علاجات فموية قوية عبر الإنترنت أو من مصادر غير رسمية، لأن آثارها الجانبية تستلزم فحوصات ومتابعة لا تتوفر خارج العيادة.

طريقة العناية اليومية بالبشرة المعرضة لحب الشباب

تبدأ العناية اليومية بغسول لطيف صباحًا ومساءً، ومرطب خفيف مصمم لعدم سد المسام، وواقي شمس بقوام مناسب، لأن الشمس تعمّق الآثار الداكنة التي تتركها الحبوب، وتزيد حساسية الجلد مع كثير من العلاجات، وتفصيل اختيار الواقي في مقال «واقي الشمس: لماذا هو الأهم في الروتين؟». ويفيد إلى جانب ذلك تغيير أغطية الوسائد بانتظام، وتنظيف شاشة الهاتف، وإبعاد منتجات الشعر الزيتية عن الجبهة. ولمن تضع المكياج، يُفضل الخفيف غير الزيتي، مع إزالته كاملًا كل ليلة.

وتتوفر في الصيدليات مستحضرات تحتوي على مكونات مثبتة الفعالية في الحالات الخفيفة، كالبنزويل بيروكسايد الذي يقلل البكتيريا، وحمض الساليسيليك الذي يساعد على فتح المسام. ويحسن سؤال الصيدلي أو الطبيب عن الأنسب منها لنوع البشرة وشدة الحالة، والبدء بمنتج واحد وملاحظة استجابة الجلد قبل إضافة غيره، لأن تكديس المكونات الفعالة معًا يضاعف فرص التهيج. ويُستحسن البدء بالمنتج على مساحة صغيرة أو في أيام متباعدة، ثم زيادة الاستخدام حين تتقبله البشرة.

ويبقى الصبر جزءًا من العلاج نفسه، فالتحسن يظهر تدريجيًا خلال أسابيع لا أيام، وقد تمر فترة قصيرة تبدو فيها البشرة أسوأ قبل أن تتحسن مع بعض العلاجات. ويساعد تدوين ملاحظات أسبوعية، أو التقاط صور في الإضاءة نفسها، على تقييم التقدم بدقة بدل الحكم على البشرة من مرآة يوم واحد. ويساعد النوم الكافي وتقليل التوتر على تهدئة البشرة، لأنهما يؤثران في الهرمونات المرتبطة بالحبوب.

متى يحتاج حب الشباب إلى طبيب الجلدية؟

الحبوب العميقة المؤلمة التي تشبه الكتل أو الأكياس تحت الجلد، والحبوب التي تترك ندبات أو آثارًا داكنة واضحة، تستوجب مراجعة طبيب الجلدية مبكرًا، لأن التأخير هنا يعني ندبات يصعب علاجها لاحقًا. وكذلك الحال إذا لم يتحسن حب الشباب بعد أسابيع من العناية المنتظمة والمستحضرات المتاحة دون وصفة، أو إذا أثّر في الثقة بالنفس والحياة الاجتماعية. ويفيد أن تُدوَّن قبل الزيارة المنتجات التي جُرّبت ومدة استخدام كل منها، لأن ذلك يختصر على الطبيب خطوات كثيرة.

ويحتاج حب الشباب الذي يظهر فجأة في سن متأخرة، أو يترافق مع اضطراب الدورة وزيادة الشعر، إلى تقييم يشمل الجانب الهرموني. وتتوفر لدى الطبيب علاجات أقوى موضعية وفموية، بعضها يتطلب تحاليل ومتابعة منتظمة، ويُمنع بعضها تمامًا في الحمل أو عند التخطيط له، وهذه قرارات لا تُتخذ إلا مع الطبيب.

ويتعامل بعض الأهل مع حب الشباب عند المراهقين كمرحلة عابرة لا تستحق الاهتمام، مع أن أثره في ثقة المراهق بنفسه قد يكون كبيرًا، وأن تأخير علاج الحالات المتوسطة والشديدة يترك ندبات ترافقه سنوات. والتعامل الجاد معه منذ البداية، بالعناية الصحيحة ثم بالطبيب عند الحاجة، يوفر على المراهق كثيرًا من المعاناة الجسدية والنفسية.

أسئلة يكثر طرحها حول حب الشباب

هل تسبب الشوكولاتة والحلويات حب الشباب؟

الأدلة على الشوكولاتة وحدها ضعيفة، لكن دراسات عدة تشير إلى أن الغذاء الذي تكثر فيه السكريات والنشويات السريعة قد يزيد الحبوب لدى بعض الأشخاص، عبر تأثيرها في الأنسولين والهرمونات المرتبطة به. ولهذا لا تُعد قطعة حلوى سببًا مباشرًا لظهور الحبوب، في حين قد يفيد تحسين النمط الغذائي عمومًا من يلاحظ ارتباطًا بين غذائه وحالة بشرته.

هل يزول حب الشباب وحده بعد سن المراهقة؟

يخف حب الشباب عند كثيرين مع نهاية المراهقة، لكنه يستمر عند نسبة معتبرة من البالغين، وقد يظهر للمرة الأولى في العشرينيات والثلاثينيات، لا سيما لدى النساء، وقد يعود في فترات معينة كالحمل أو بعد إيقاف بعض وسائل منع الحمل الهرمونية. وانتظار زواله وحده قد يعني ترك الحبوب الملتهبة تخلّف ندبات دائمة. ولهذا فالأفضل التعامل معه مبكرًا، ومراجعة الطبيب إذا كان متوسطًا أو شديدًا بدل الانتظار.

هل عصر الحبوب يسرّع التخلص منها؟

العصر يفرغ جزءًا من الحبة لكنه يدفع جزءًا آخر إلى الأعماق، فيزيد الالتهاب ويرفع احتمال الندبات والبقع الداكنة ونقل العدوى. والحبة المتروكة تهدأ غالبًا دون أثر يُذكر. وإذا كانت الحبة كبيرة ومؤلمة، فالطبيب قادر على التعامل معها بطرق آمنة، أما في البيت فالأفضل تركها مع العناية اللطيفة المعتادة، وتجنب لمس الوجه باليدين طوال اليوم لأنه ينقل الدهون والبكتيريا ويغري بالعصر.

هل يجفف معجون الأسنان أو الليمون الحبوب؟

قد يبدو أن معجون الأسنان يقلص الحبة، لكنه يحتوي على مواد تهيج الجلد وقد تسبب احمرارًا وتقشرًا وتصبغًا. أما الليمون فحمضي ومهيج، وإذا تعرض الجلد بعده للشمس فقد يحترق وتظهر عليه بقع داكنة. والمستحضرات المخصصة لحب الشباب والمتوفرة في الصيدليات أكثر أمانًا وفعالية من هذه الوصفات المنزلية.

كم يستغرق ظهور نتيجة علاج حب الشباب؟

تحتاج أغلب العلاجات إلى عدة أسابيع قبل أن يظهر التحسن، ويقيّم الأطباء الاستجابة عادة بعد شهرين إلى ثلاثة من الاستخدام المنتظم. ولا يعني بطء النتيجة فشل العلاج، لأن الحبوب الجديدة تتكون قبل ظهورها بأسابيع. والالتزام بالعلاج نفسه دون تبديل متكرر هو ما يسمح بالحكم عليه بدقة، مع مراجعة الطبيب إذا لم يحدث تحسن، فهو من يضع توقعات واقعية بحسب شدة الحالة ونوع العلاج.

ما الفرق بين آثار حب الشباب وندباته؟

الآثار هي البقع الحمراء أو الداكنة التي تبقى بعد زوال الحبة، وتكون مسطحة، وتتلاشى غالبًا خلال أشهر، ويساعد واقي الشمس على تسريع تلاشيها. أما الندبات فتغيّر في نسيج الجلد نفسه، على هيئة حفر أو بروزات، ولا تزول وحدها في الغالب. وعلاج الندبات يكون بإجراءات يحددها طبيب الجلدية، ولهذا تبقى الوقاية منها بالعلاج المبكر هي الأساس. ويختلف لون الآثار بحسب لون البشرة، فتميل إلى الحمرة في البشرة الفاتحة وإلى البني في السمراء.


إرسال تعليق

0 تعليقات