هل المكياج مضر بالبشرة؟ الحقيقة والوقاية

 

تنام امرأة بمكياجها بعد سهرة طويلة، فتستيقظ على حبوب صغيرة في الذقن وجفون محمرة، وتستنتج أن المكياج نفسه هو المشكلة. وتضع أخرى المكياج يوميًا منذ سنوات دون أن تشكو من شيء يُذكر. والفارق بينهما يعود في الغالب إلى ما يحدث قبل وضع المكياج وبعد إزالته، أكثر مما يعود إلى المنتجات التي تستخدمها كل منهما.

ويدور الحديث عن أضرار المكياج على البشرة عادة بين طرفين متباعدين، فريق يراه مادة تخنق المسام وتسرّع الشيخوخة، وآخر يتعامل معه كأنه لا يترك أثرًا مهما طال بقاؤه على الوجه. وكلا الموقفين يضلل، لأن المكياج مادة توضع على الجلد ساعات طويلة، فيتحدد أثرها بتركيبتها ومدى ملاءمتها للبشرة ونظافة أدواتها وطريقة إزالتها.

والسؤال الأدق الذي ينطلق منه المقال هو متى يصبح المكياج ضارًا، لا هل هو ضار. فالنوم به، والأدوات الملوثة، والمنتجات المنتهية أو المقلدة، والتركيبات الثقيلة على بشرة معرضة لحب الشباب، هي مصادر الضرر الفعلية، وكلها قابلة للتجنب دون التخلي عن المكياج نفسه. فالمكياج بهذا المعنى أداة، يتوقف أثرها على طريقة استعمالها أكثر مما يتوقف على وجودها.

نشرح أولًا لماذا لا يُعد المكياج ضارًا في ذاته، ثم الحالات التي يتحول فيها إلى عبء، والمكونات التي تثير الحساسية، وخطر الأدوات والمنتجات المنتهية. ونختم بالأخطاء الشائعة، وطريقة إزالة صحيحة، والعلامات التي تستدعي زيارة طبيب الجلدية.

لماذا لا يُعد المكياج ضارًا في ذاته؟

ينتشر اعتقاد بأن البشرة تحتاج إلى أن تتنفس، وأن المكياج يخنقها ويحرمها من الهواء. والواقع أن الجلد يحصل على معظم الأكسجين الذي يحتاجه من الدم، لا من الهواء المحيط، فالطبقة الرقيقة من كريم الأساس لا تحرمه من شيء. أما ما يحدث فعلًا حين يسوء الاستخدام فهو انسداد فتحات البصيلات، أو تهيج الجلد من مكون لا يناسبه، وهما مشكلتان تختلفان تمامًا عن فكرة الاختناق.

وتخضع مستحضرات التجميل المسجلة لاشتراطات تحدد المواد المسموح بها ونسبها، فالمنتج الذي يمر بهذه الرقابة لا يحتوي عادة على مواد ضارة بالكميات المستخدمة. ولهذا لا يرتبط المكياج المعتمد، حين يُستعمل بطريقة سليمة، بضرر ثابت على بشرة سليمة، بل إن بعض تركيباته تحتوي على مرطبات أو مرشحات شمسية تضيف طبقة حماية محدودة. ويبقى الشرط أن يُستخدم المنتج في حدود ما صُمم له، فقلم العين مثلًا لا يوضع على الحافة الداخلية للجفن ما لم تنص العبوة على صلاحيته لذلك.

غير أن كلمة سليمة تحمل هنا المعنى كله. فالبشرة المعرضة لحب الشباب، أو الحساسة، أو المصابة بالتهاب جلدي، تتفاعل مع المكياج بطريقة تختلف عن البشرة العادية، وما يمر دون أثر على وجه قد يثير مشكلة واضحة على آخر. وجوهر المسألة إذن أن الحكم على المكياج يتوقف على ثلاثة أمور مجتمعة: تركيبة المنتج، ونوع البشرة، وطريقة الاستخدام.

متى يتحول المكياج إلى عبء على البشرة؟

يأتي النوم بالمكياج في مقدمة الأسباب، لأن الجلد يقضي الليل في عمليات تجدد وإصلاح، وبقاء طبقات كريم الأساس والبودرة مختلطة بالزيوت والعرق والغبار طوال هذه الساعات يزيد فرص انسداد المسام وظهور الرؤوس السوداء والبيضاء. أما الماسكارا وكحل العين المتروكان حتى الصباح فقد يتسللان إلى حافة الجفن، فيسببان تهيجًا أو التهابًا في الجفن والعين.

وفي الصيف السعودي تضيف الحرارة والعرق عبئًا آخر، إذ يمتزج العرق بطبقات المكياج الثقيلة فيحبس الحرارة والرطوبة على الجلد، وهي بيئة تساعد على التهيج وظهور الحبوب الصغيرة. ويتضاعف ذلك حين تُضاف طبقات جديدة خلال اليوم فوق القديمة بدل تنظيف البشرة أولًا، فيتراكم المكياج على الوجه ساعات متواصلة.

ويتحول المكياج إلى مشكلة مستقلة حين يُستخدم لإخفاء حب الشباب بتركيبات زيتية ثقيلة، فتنشأ دائرة يزيد فيها المكياج الحبوب، ثم تُغطى الحبوب بمزيد منه. ويُعرف هذا النمط بحب الشباب الناتج عن مستحضرات التجميل، ويظهر عادة في صورة حبوب صغيرة متقاربة في مواضع وضع المنتج، وقد تناولنا أسبابه في مقال «حب الشباب: الأسباب والتعامل الصحيح».

حساسية المكياج: المكونات التي تستحق الانتباه

تُعد العطور أكثر المكونات إثارة للحساسية في مستحضرات التجميل، تليها بعض المواد الحافظة وبعض الأصباغ. وتظهر الحساسية عادة في صورة احمرار وحكة وقشور في المواضع التي يوضع عليها المنتج، وأكثرها تأثرًا الجفون لأن جلدها من أرق جلد الجسم، حتى إن الحساسية قد تظهر فيها وحدها بسبب طلاء أظافر تلمسه الأصابع ثم تلمس العين.

ويظن كثيرون أن المكياج الموصوف بأنه طبيعي أو عضوي آمن بالضرورة، مع أن الزيوت العطرية والمستخلصات النباتية من المسببات المعروفة للحساسية، فالأصل النباتي لا يعني أن المنتج ألطف على الجلد. والأفيد للبشرة الحساسة البحث عن منتجات خالية من العطور، واختيار تركيبات مصممة لعدم سد المسام حين تكون البشرة معرضة للحبوب.

وقبل استخدام منتج جديد على الوجه كله، يفيد وضع كمية صغيرة منه على جلد خلف الأذن أو باطن الذراع مرتين يوميًا لعدة أيام، ومراقبة أي احمرار أو حكة. وهذا الاختبار لا يستبعد كل احتمالات الحساسية، لكنه يكشف كثيرًا منها قبل أن تنتشر على الوجه، ويوفر على البشرة أسابيع من التهيج.

الأدوات والمنتجات المنتهية: الخطر الذي يُهمل كثيرًا

تحتفظ الإسفنجات والفرش ببقايا المكياج والزيوت وخلايا الجلد، ومع الرطوبة تصبح بيئة مناسبة لنمو البكتيريا والفطريات، فتنقلها إلى الوجه في كل استعمال. ولهذا يحتاج تنظيفها إلى انتظام، واستبدال الإسفنجات حين تتشقق أو تتغير رائحتها. أما مشاركة الماسكارا وأقلام العين، ولو بين الأخوات والصديقات، فمن أسهل طرق انتقال عدوى العين. ويستحق الكحل التقليدي مجهول المصدر حذرًا خاصًا، لأن بعض أنواعه المصنوعة خارج الرقابة احتوى على نسب مرتفعة من الرصاص، وهو خطر يتضاعف حين يُستخدم للأطفال.

وتحمل عبوات مستحضرات التجميل غالبًا رمزًا على شكل علبة مفتوحة بجانبه رقم وحرف، يشير إلى عدد الأشهر التي يبقى فيها المنتج صالحًا بعد فتحه. والماسكارا أقصرها عمرًا لأن فرشاتها تدخل العبوة وتخرج منها مرات كثيرة، في حين تدوم البودرة الجافة أطول. ويبقى تغير الرائحة أو القوام أو انفصال المكونات علامة على فساد المنتج حتى قبل موعده المكتوب.

ويكمن الخطر الأكبر في المنتجات المقلدة أو مجهولة المصدر التي تُباع بأسعار زهيدة عبر الإنترنت، إذ قد تحتوي على معادن ثقيلة أو ملوثات لا تُعرف تركيبتها. وأشد منها خطرًا كريمات التفتيح غير المسجلة، فقد رُصد في بعضها الزئبق أو مركبات الكورتيزون دون ذكرها على العبوة، وكلاهما يلحق بالجلد ضررًا بالغًا مع الاستعمال المتكرر. ولذلك يُستحسن الشراء من منافذ موثوقة، والتأكد من أن المنتج مسجل لدى الهيئة العامة للغذاء والدواء.

أخطاء شائعة في استخدام المكياج

يأتي الاكتفاء بمناديل الإزالة في مقدمة هذه الأخطاء، لأنها تزيل الطبقة الظاهرة وتترك بقايا في المسام، ويحتاج استعمالها إلى فرك يهيج الجلد، خصوصًا حول العينين. وهي حل مقبول عند الضرورة، كالسفر أو التعب الشديد، لكنها لا تصلح بديلًا عن التنظيف الكامل كل ليلة.

ومن الأخطاء كذلك وضع المكياج على بشرة غير نظيفة أو جافة، فيتكتل ويبرز القشور ويستدعي طبقات أكثر لتغطيته. ووضعه على بشرة ملتهبة، أو بعد جلسة تقشير أو إجراء تجميلي، قد يعرّض الجلد لتهيج أو عدوى، والأفضل الالتزام بالمدة التي يحددها الطبيب قبل العودة إليه.

ثم يأتي الاعتماد على كريم الأساس المحتوي على عامل حماية بدل واقي الشمس، مع أن الكمية التي توضع منه أقل بكثير مما تحتاجه الحماية الفعلية. ولهذا يبقى الواقي خطوة مستقلة تسبق المكياج، وهو ما يشرحه بالتفصيل مقال «واقي الشمس: لماذا هو الأهم في الروتين؟».

خطوات عملية لمكياج أقل ضررًا بالبشرة

تبدأ الوقاية قبل وضع المكياج، فالبشرة النظيفة المرطبة المحمية بواقي الشمس قاعدة تمنح المكياج ثباتًا أفضل وتقلل الحاجة إلى الطبقات الكثيفة. واختيار كريم أساس خفيف يناسب نوع البشرة، مائي للبشرة الدهنية وأكثر ترطيبًا للجافة، يقلل انسداد المسام، ويفيد تخفيف المكياج في أيام الحر الشديد والاكتفاء بالضروري منه. وفي المناسبات الطويلة كالأعراس، حين يبقى المكياج الكثيف على الوجه ساعات متواصلة، يُستحسن ألا تُجرَّب منتجات جديدة أو جلسات تقشير في الأيام التي تسبقها، وأن يُزال المكياج كاملًا في الليلة نفسها مهما تأخر الوقت.

أما الإزالة فهي الخطوة التي تحسم أثر المكياج على البشرة، ويكفي فيها ترتيب ثابت كل ليلة:

  1. إزالة مكياج العين أولًا بقطنة مبللة بمزيل مخصص، مع تركها على الجفن ثواني قليلة قبل مسحها بلطف دون فرك.

  2. إذابة مكياج الوجه والواقي بمنظف زيتي أو بلسم إزالة يُدلَّك على البشرة ثم يُشطف، أو بماء ميسيلار لمن لا تناسبها الزيوت.

  3. غسل الوجه بغسول لطيف يناسب نوع البشرة لإزالة ما تبقى.

  4. تجفيف الوجه بالتربيت بمنشفة نظيفة، ثم وضع المرطب.

ويكتمل ذلك بتنظيف الفرش والإسفنجات بانتظام بغسول لطيف وتركها تجف في الهواء، وحفظ المنتجات بعيدًا عن الحرارة وأشعة الشمس، لأن حرارة السيارة في الصيف قد تفسد تركيبتها قبل موعد انتهائها بكثير.

متى تستدعي مشكلات البشرة زيارة طبيب الجلدية؟

الاحمرار والحكة اللذان يستمران رغم التوقف عن المنتج المشتبه به، أو التورم الواضح في الجفون، أو ظهور فقاعات أو تقشر شديد، علامات تستوجب تقييمًا طبيًا لتحديد المسبب. ويستدعي احمرار العين المصحوب بإفرازات أو ألم أو تشوش في الرؤية مراجعة الطبيب سريعًا، خصوصًا لمن تستخدم العدسات اللاصقة. وإذا صاحب استخدام منتج جديد تورم في الشفتين أو الوجه أو صعوبة في التنفس، فهذه حالة طارئة تستوجب التوجه إلى الطوارئ فورًا.

ويساعد الطبيب في هذه الحالات إحضار المنتجات المستخدمة أو صور مكوناتها، فقد يلجأ إلى اختبار الرقعة لتحديد المادة المسببة بدقة، وهو ما يغني عن التجريب العشوائي بين المنتجات. كما يحتاج حب الشباب الذي يزداد رغم تغيير المكياج، والتصبغات التي تظهر بعد استخدام كريمات مجهولة المصدر، إلى رأي متخصص بدل تجربة منتجات جديدة.

أسئلة تتردد كثيرًا حول المكياج والبشرة

هل تحتاج البشرة إلى أيام بلا مكياج؟

لا تحتاج البشرة إلى أيام راحة من المكياج إذا كانت تُنظَّف جيدًا كل ليلة والمنتجات مناسبة لها، فالمشكلة في البقايا والانسداد لا في المكياج نفسه. ومع ذلك قد تفيد الأيام الخفيفة من تعاني حب الشباب أو التهيج، لأنها تسمح بملاحظة حالة البشرة دون غطاء، وتقلل الاحتكاك والطبقات المتراكمة.

هل النوم بالمكياج ليلة واحدة يضر البشرة؟

ليلة عابرة لا تسبب ضررًا دائمًا في الغالب، لكنها قد تكفي لظهور حبوب صغيرة أو تهيج في الجفون عند البشرة المعرضة لذلك. والضرر الحقيقي يأتي من التكرار، حين يتحول النوم بالمكياج إلى عادة. وإن حدث ذلك، فالأنسب تنظيف البشرة جيدًا في الصباح وترطيبها، وتجنب المكياج الثقيل في اليوم نفسه إن ظهر تهيج.

هل مناديل إزالة المكياج كافية للتنظيف؟

تزيل المناديل الجزء الأكبر من المكياج الظاهر، لكنها تترك بقايا في المسام، وتحتاج إلى فرك قد يهيج البشرة الحساسة. ولهذا تصلح حلًا مؤقتًا في السفر أو عند التعب الشديد، على أن يتبعها غسل الوجه بغسول لطيف متى أمكن. والإزالة على مرحلتين أنسب للاستخدام اليومي، خصوصًا مع المكياج الثقيل أو المقاوم للماء.

هل يسبب المكياج حب الشباب؟

قد يسهم المكياج في ظهور حب الشباب حين يحتوي على مكونات زيتية ثقيلة تسد المسام، أو حين يبقى على الوجه فترات طويلة دون إزالة جيدة. واختيار منتجات مصممة لعدم سد المسام، مع إزالة كاملة كل ليلة، يقلل هذا الاحتمال كثيرًا. وإذا استمرت الحبوب رغم ذلك، فالأفضل مراجعة طبيب الجلدية بدل تغيير المنتجات باستمرار.

متى يجب التخلص من منتجات المكياج؟

يُتخلص من المنتج عند انتهاء المدة المكتوبة بجانب رمز العلبة المفتوحة، أو قبلها إذا تغيرت رائحته أو قوامه أو لونه. ومنتجات العين أولى بالالتزام الدقيق لأنها الأقرب إلى العين وأسرع تلوثًا، ويُتخلص منها فورًا بعد أي التهاب في العين لتجنب تكرار العدوى. أما المنتجات الجافة كالبودرة فتدوم عادة أطول.

هل يغني المكياج المحتوي على واقي شمس عن الواقي نفسه؟

لا يغني عنه في الغالب، لأن رقم الحماية المكتوب يُقاس بكمية أكبر بكثير مما يوضع من كريم الأساس عادة، فتنخفض الحماية الفعلية كثيرًا. كما أن المكياج لا يغطي الوجه بطبقة منتظمة، ولا يصل إلى الرقبة والأذنين. ولذلك يبقى واقي الشمس خطوة مستقلة قبل المكياج، ويأتي عامل الحماية في المكياج إضافة لا بديلًا.


إرسال تعليق

0 تعليقات